الجاحظ
37
كتاب البغال
بردة ، فرأى ثورا مجلّلا ، فقال : سبحان اللّه ! ما أفرهها من بغلة لولا أنّ حوافرها مشقوقة ! . قالوا : ورأى الطائف بالليل شخصا عظيما قد انخنس « 1 » عنه ، فشدّ نحوه ، فإذا حمدوية المخنّث قد جلس كأنه يخرأ ، ولم يكن به خراء ، وكان قد جلس على روث ؛ فقال له : أنت أيّ شيء تصنع هاهنا هذه الساعة ؟ قال خرجت أخرأ . فنظروا فإذا تحته روثة ، قالوا : ما لك ، صرت بغلا ؟ قال : هذا زيادة عليكم ؛ كل إنسان يخرأ ما يشاء ! . قال أبو الحسن : نظر جحا إلى رجل بين يديه يسير على بغلة ، فقال للرجل : الطريق يا حمصيّ ! فقال الرجل : ما يدريك أني حمصيّ ؟ قال : رأيت حر بغلتك ، فإذا هو يشبه الحاء ، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم ورأيت ذنبها فإذا هو يشبه الصاد ، فقلت : إنّك حمصيّ ! . قالوا : وابتاع عبّاديّ بغلا ، فمرّ بالحيّ ، فقالوا : بارك اللّه لك ! قال : لا تقولوا هكذا . فكيف نقول ؟ قال : قولوا : لا بارك اللّه لك فيه ! قالوا : سبحان اللّه ! أيقول أحد لأحد له فيه رأي ؟ قال : قولوا كما أقول لكم ! قالوا : لا بارك اللّه لك فيه ! قال : وقولوا : وأعضّك ببظر أمّك ! قالوا : نعم ، قال : إن أعرتكموه أبدا ! . وهذا يشبه حديث سنديّة الطحّانة ، وكانت تطحن بالنهار ، وتؤدّي الغلّة وتخدم أهلها بالليل ، فانكسفت الشمس يوما ، فقالت لها مولاتها : اذهبي يا شهدة ، أنت حرّة لوجه اللّه ! قالت : أليس قد صرت حرّة ! ثم عدت من بين يديها ، فقامت على باب الدار رافعة صوتها
--> ( 1 ) انخنس : تأخر .